السيد محمد الصدر

132

منة المنان في الدفاع عن القرآن

قوله تعالى : وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى : ويُلاحظ : أنَّ الأشقى والأتقى متقابلان أو ضدّان عرفاً ، ولكلّ منهما مطلق الأفراد والفرد المطلق ، فتكون الاحتمالات أربعةً : منها : أن يراد منهما الفرد المطلق ، كما فهم الرازي حين قال : فالآية واردةٌ للموازنة بين حالتي أعظم المؤمنين وأعظم المشركين . وهذا موافقٌ مع صيغة التفضيل : الأتقى والأشقى ؛ فإنَّ ظاهرها ذلك . وبذلك تكون الآيات قد أهملت التعرّض إلى سائر المراتب الوسطى من أهل الخير وأهل الشرّ . وأمّا مفهوم الحصر فهو يمثّل الرحمة بأحد الوجوه السابقة ، والمراد أنَّه لا يدخلها غير المعاندين . ومنها : أن يراد منها مطلق الأفراد ممّن يتّصف بهذه الصفة . فهنا : إمّا أن تجرّد عن الخصوصيّة لكلّ المستويات أو لا . فإن لم نجرّد عنها اختصّ بمَن صدق عليه ذلك ، وبقيت حصّةٌ وسطى من كلا الطرفين . وإن جرّدنا عن الخصوصيّة شمل الجميع ، إلّا أنَّ التجريد مشكلٌ بعد كونه مخالفاً لظهور التفضيل ، إلّا أن ننفي ظهور التفضيل إطلاقاً ، فيشمل الجميع . وأمّا الاحتمالان الآخران - وهو أن يُراد من إحداها الفرد المطلق ومن الآخر مطلق الأفراد - فهو غير محتملٍ وخلاف وحدة السياق . وعلى أيّ حالٍ فليس في الآية أيّ دليلٍ على العهد ، بل الأصل في الألف واللام هو الجنس ، إلّا أنَّ يراد عهد الجنس . وممّا ينبغي أن يلاحظ : أنَّ الحصر واردٌ في جانب العقاب فقط ، ولم يرد في جانب الثواب ، يعني : لم يقل : ولا يجنّبها إلّا الأتقى ، كما قال : لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الأَشْقَى وهذا من سعة الرحمة ، فقد نفهم أنَّ غير الأشقى يدخل الجنّة ، إلّا أنَّها لا مفهوم لها .